سجال السعداوي والإسلاميين أو الحوار المعاق
كتبهاعبد اللطيف درويش ، في 27 سبتمبر 2007 الساعة: 16:46 م
:
إن السعداوي تعتبر كثيرا من الممارسات التي تعيشها الأنثى العربية المسلمة نوعا من التعذيب، وتؤكد على أن المفكرين "الهيومانيين" احتاروا في تفسير هذا التعذيب الذي تعيشه الأنثى، والذي لا يعد عاديا لأنه يتضمن استمتاع المعذب بإيلام جسدها. إن هذا التعذيب هو اختراق للخصوصية، خاصة خصوصية الجسد. إن الجسد هو الحيز الذي تتحصن فيها ال(أنا) وخصوصيتها. والدخول في حميميته يقتضي التلاؤم، والتوافق، والانسجام؛ أي العاطفة والحب. والاختراق الوحيد الذي يعد جائزا خارج إطار الحب هو الاختراق المقصود به العلاج. وما عداه يعتبر اغتصابا وانتهاكا لهالة هذا الجسد" Aura". فالتعذيب(ضرب الأنثى، ختانها، مباشرتها بعنف، اغتصابها،الخ…) هو تعرية للجسد وجعله ميدانا لممارسة الحقد والكراهية. وتحضرنا حالات الاغتصاب الجماعي الذي عرفتها حرب البوسنة وكيف كانت الأطراف المتصارعة تلتجئ إلى إذلال الآخرين من خلال استباحة أجساد إناث الأعداء، ونفس الشيء عبرت عنه رواية السجن في العالم العربي؛ وكنموذج عنها رواية السؤال لغالب هلسا. إن التعذيب جمع رهيب بين شيئين متنافرين الجسد وحميميته من جهة، وممارسة الكراهية وهتك حميمية هذا الجسد من جهة أخرى.إن الجسد الأنثوي تاريخيا كان، وما زال، موضوع عملية تحقير وإذلال. وبات تعذيب الأنثى غايته الأولى إشعار المُعَذَّبِة بالعجز وتحويل جسدها إلى أكبر عدو لها.
إن هذه الثقافة التي تختزل كل شيء في هذه الثنائية غير المتكافئة بين الجسد المهيمن(الذكوري)،(السلطة)، (المسْتَعْمِر)، (الغني)/والجسد المنتهَكِ والمغتصب(امرأة)، (مواطن-رعية)، (المسْتَعْمر)، (الفقير)، هي التي تناولتها السعداوي في كتاباتها لأنها، كما أومأنا إلى هذا في الفقرات السابقة، وضعت المشكل في إطاره الحقيقي، ومن ثمة استطاعت أن تخرج من اختزالات النسوانيات، ومن ضيق أفق الرؤيا الإسلامية. وهذا لم يستطع حراس النوايا فهمه ومقارعته بالحجة والدليل، ولو فعلوا هذا لكان خيرا لهم لأن أفكار وكتابات السعداوي ليست كلها صائبة وتحتاج إلى من يقومها "بالتي هي أحسن" !. إن السعداوي كاتبة تعيش في مجتمع وتتفاعل مع قضاياه وتساهم في مناقشتها والخوض في ثناياها، و يمكن أن يطبق عليها وصف إيسكاربيتEscarpait[1] Robertللكاتب في علاقته مع مجتمعه وقرائه، فهو يراه/يراها:( سجين(ة) الإيديولوجيا، إيديولوجيا "جمهوره(ـا)-وسطه(ـا)": إيديولوجيا (ت)يمكن أن (ت)يقبلها، أو أن (ت)يغيرها، أو أن (ت)يرفضها رفضا تاما- أو رفضا جزئيا- ولكنه(ـا) لا يمكنه(ـا) التنصل منها). إنه(الكاتب/الكاتبة) سجين(ة) الإيديولوجيا لأنه(ـا) سجين(ة) اللغة: ولا يمكنه(ـا) أن (ت)يكتب أي شيء، ولا بأي طريقة، ولا بأي للغة؛ عليه أن (ت)يستعمل"كلمات القبيلة"). وهذا ما فعلته، وهو نفسه ما يفعله أعداؤها. إنهم لا يمكنهم أن يكونوا خارجين عن سياقاتهم الاجتماعية، والاقتصادية، والفكرية، والطبقية. إن العمل الفكري-كما يقول بيير ماشيري Pierre Macherey [2]- مرتبط بالإيديولوجية لا عن طريق ما يقوله، بل عبر ما لا يقوله، فنحن عندما لا نشعر بوجود الإيديولوجية نبحث عنها من خلال جوانبه(النص/العمل الفكري) الصامتة الدالة التي نشعر بها في فجواته(= النص) وأبعاده الغائبة، هذه الجوانب الصامتة هي التي يجب أن يتوقف عندها الناقد/المحلل ليجعلها تتكلم. ويقترح ماشيري برنامجاً لإظهار المضمر،المسكوت عنه[3]، الضمني، اللامرئيcaché ، implicite ، larvé ، latent ، sous-entendu ،tacite الإيديولوجي في العمل الإبداعي(أو الفكري)، و ينهض هذا البرنامج على أمرين:
أولهما: الإحاطة بالسياق التاريخي الإيديولوجي الذي جاء به النص، أو المُنْكَتِبُ في سطوره.
ثانيهما: بناء الإشكالية التي يطرحها العمل(النص) انطلاقاً من الجواب الذي قدمته، وذلك بهدف استكناه الأسباب التي تجعل الحديث الإبداعي(الفكري) جواباً إيديولوجياً عن سؤال لم يطرح بكيفية واضحة، ولكنه حاضر ومخفي في تجاويف النص، وفي شكل الأيديولوجية المصوّرة. تقع المسؤولية على المحلل/الناقد لكشف أو مقاربة توقعاتanticipations، prédictions القارئ أثناء عملية القراءة .
إن عملية البحث النقدي عن المستويات المقموعة "أو المسكوتnon-dit " يجب أن لا تظل بعيدة، أو بمنأى عن السياق الثقافي العام. إن "النص الغائبtexte absent" أو"المُغيّب" لا يوجد في المعرفة المتداولة، أو التي هي قاسم مشترك لجماعة بشرية في لحظة تاريخية معيّنة بل يتعداها إلى تاريخ وعي ولا وعي هذه الجماعة، وعلاقتها بالثقافات الأخرى وتناصاتها معها.
ويمكن القول إن "المغيّب" أو "المسكوت عنه" هو في الغالب ناجم عن العلاقة التعاقدية أو المُلْزمة للفرد مع جماعته وتقبل إملاءاتها وتصوراتها. ولهذا فالحاجة ماسة لنبش سجلات الذاكرة الجمعية سواء منها السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية من طرف الناقد المحلل لردم الفجوات العميقة في العمل المكتوب، أو النصوص الفكرية التي يتناولها بصفة عامة. هذا هو ما غاب عن منتقدي السعداوي ومكفريها. إنهم لم يستطيعوا سبر أغوار نصوصها، ولقوا عنتا كبيرا في فك شفراتها. فالإسلامويون عوض البحث في نص المنْتَقَدَةِ(=السعداوي) ذهبوا يبحثون عن سيرة حياتها، وأسرارها. و بحثوا حتى في حميمية بيتها، وفي علاقتها بزوجها شريف حتاتة. وبالغوا في رسم هذه الحياة؛ فشبهوا علاقتها مع زوجها بعلاقة زنا، وشبهوا أبناءها بأبناء السفاح. ونسبوا ردود فعلها إلى الخرفLa sénilité، والشيخوخة، والدمامةLa laideur. وكنا نود لو وجدوا هذه الدمامة في كتابتها، ولو وجدوا ما يبحثون عن تقويضه في كتبها، عوض التهالك على خصوصية وحميمية حياتها رغم أن الإسلام ،الذي يدّعون الدفاع عنه، جعل للبيوت حرمات. وحرَّمَ تناول ما يدور فيها وإفشاء أسرارها. إننا أمام مرآتين: مرآة المكفرين المحدبة bossue (التي تبين الواقع بشكل مشوه) و مرآة السعداوي وكتاب الحداثة السَوِيّةٌ والمُنْبَسِطَةٌ (التي تحاول أن تكون أمينة رغم بعض القصور النابع عن سوء فهم للمواضيع المدروسة. وهذه المرآة تتوفر-على الأقل- على حسن الطوية، الذي لا نجده عند أصحاب المرآة المحدبة).
إن السجال الذي أوردنا أهم في الفقرات السابقة محاوره، يدفعنا لطرح سؤال أعمق وأكبر[4]وهو:
ما الذي يجعل من المرء شخصا مستهدفا في مجتمعنا العربي، أو ما هو الجرم الذي لا يدانى ويعاقب عليه المجتمع؟
سؤال تسهل الإجابة عنه إذا ما قمنا باستقصاء الحالات التي شكلت انتهاكا صريحا لحرية الفرد والتفكير في العالم العربي. والتي لم يكن المستهدفون فيها إلا أناسا آمنوا بحقهم في إبداء آرائهم علانية كحق من حقوقهم التي تضمنها القوانين التي تسود(نظريا) في بلدانهم. ولكن هناك بون شاسع بين منطوق النص القانوني وطريقة تطبيقه على أرض الواقع. وهذا ما حصل لأغلبية المبدعين العرب فلا أحد منهم نعِمَ بمكتوب النص القانوني؛ بل توبع أغلب المثقفين الذين حوكموا بنفس النص مُؤَوّلاً تأويلا يخدم مناوئيهم. فالسلط في العالم العربي تعددت، وتعددت معها معوقات حرية التعبير، وبات المبدع شخصا مكبّل اليدين أمام سطوة هذا التعدد المتواطئ ضده. وصار همه الوحيد هو البحث عن الطريقة المثلى لتفادي مواجهة هذه السلط. وحال لسانه يقول: إن واقع المثقف العربي اليوم يتجاوز في سقوطه ما كان عليه الأسلاف في العصور السابقة. فتقنيتا التورية والتقية ما زالتا سيدتي الموقف، والضمني والمضمر من أهم التقنيات المستعملة في الكتابة ومن جرؤ أو تخيل نفسه في بلد ديمقراطي حسب منطوق القوانين المكتوبة فيه (البلد) فإنه يحصد الخيبة والهوان.
وما لَمَسْنَاهُ من تجن سافر وتشهير في حق نوال السعداوي يوضح لنا أن صدر السلط ليس رحبا، ولا يتسع إلا لمن يؤمن بمنطقها. فنادرا ما نجد تحاملا على مفكرة وصل إلى هذا الحد. فبالإضافة إلى المؤاخذات التي آخذها عليها مناوئوها، والتي تشترك فيها مع زميلها المتنور الذكر، أضيفت إليها تهم تمسها كأنثى؛ ومنها أنها خانت طبيعة بنات جنسها الهادئات، الطيعات، الفائضات أنوثة. وصنفوها في خانة "المسترجلات" أو "المشلفات" كما أومأنا إلى هذا سابقا. فعندما كانت هذه الكاتبة مع الإخوان[5] كان لها الحق في الحديث وإعلان مواقفها بل باستقطاب جميع الإناث الجماعة وإلى ما كانت تؤمن به. وعندما تغيرت مواقفها وباتت نقدية اعتبر حديثها علانية: فجورا ورعونة واسترجالا؛ وهلم جرا… وحذِّرَتِ النساء من معاشرتها أو محادثتها لأنها باتت كالبعير الأجرب كل من حاذاه يصاب بعدواه. أما إذا تغير تصور مفكر من فكر آخر وأصبح داعية إسلاميا وعضوا من أعضاء الجماعة فالمدح والتبجيل يرافقانه أنى رحل وارتحل. وهذا ما حصل مع مصطفى محمود فبعدما كان الإسلاميون يسبونه بأقذع الأسماء، ويتهمونه علانية بالفجور، والردة، والإلحاد، بات داعية ومصلحا ورجل هداية ودين. أن يغير الشخص رأيه ويصبح منهم هو الصواب. وأن يخرج عن إجماعهم ويغرد بعيدا عن سربهم فهذا هو الشذوذ والانحراف في رأيهم، إنها ديمقراطية أنا ولا أحترم إلا أنا ! (والآخر لا أحد إلا أنا)!؟؟.. إن مثل هذا التصرف لا يؤمن بأن ضمير المبدع هو الرقيب الحقيقي، ولا يؤمن في نفس الآن بأن الإبداع بدون حرية هو تدمير للمبدع ولذاته. والتاريخ علمنا أن ما هو مرفوض اليوم مقبول غدا بل مبتذل. وعلمنا كذلك أن الفقيه(رجل الدين) مثله مثل أي إنسان يفهم قدرا من كلام الله ويغيب عنه قدر آخر. فهل فقهاء اليوم سيحاكمون ابن حزم ويكفرونه كما كفره فقهاء الأمس؟. وهل قساوسة اليوم سيحاكمون جاليليو كما حاكمه قساوسة الأمس؟. إن الحقيقة كما يراها الإنسان هي وليدة اللحظة وموؤودتها في نفس الوقت. إن الإنسان في كل ما وصل إليه لا يتاجر إلا بالعرضي Le Fortuit الذي يوهمنا بالاقتراب من حقيقة لا تحتاج إلى طويل وقت لتبدو زائفة وخداعةLeurre. وهذا ما حصل في فهم النصوص الدينية عبر التاريخ، وهو ما عبر عنه الكاتب والمخرج المصري داوود عبد السيد عندما قال
ومسؤولو المؤسسة الدينية يرددون بأن ما يقولونه هو كلام الله، ولكنني على ثقة بأن كلام الله أوسع من فهم البشر فنحن عمليا نطبق فهم البشر وتحليلهم لكلام الله(…) وما يحدث حاليا هو سلسلة من الأخطاء…)[6]، يساهم فيها الجميع؛ بعضٌ بِصَمْتِه المريب، والبعْضُ الآخر باختبائه وراء كلمات الخصوصية، واحترام المشاعر، وما إلى ذلك من كلمات -معجم مبتذل- لا تزيدها السنوات إلا تحجرا وانغلاقا.
إن ما يثير الانتباه في المعجم الذي استعمله مدينو السعداوي ومن سار على دربها هو هذه الوثوقية العمياء في الذات، واستبعاد أن يكون الخطأ من عندهم، وإلصاق جميع العيوب بالآخر؛ فكلمات: ضال، وفاجر، وزنديق، وشاذ، وخرف،وغاو، وما إلى ذلك من الأوصاف المسكوكة والمهيأة قبلا -كصك اتهام للآخرين- هي الكلمات نفسها التي استعملت منذ ولد أول تجمع عربي: سمي بالمجتمع، أو الأمة، أو الدولة !!. وأن (الشاعر المتمرد) أو(الصعلوك) الذي كان يركب راحلته ويجوب المفاوز اتهم بنفس التهمة التي توجه اليوم إلى متمرد(متنور) ركب الطائرة إلى أمريكا أو أوروبا أو بقعة أخرى من بقاع العالم من أجل التحصيل والمعرفة !!!. فمسار المعرفة وطرقها ونظرياتها تغيرت، ومنطوق حكم التكفير وعقليات أصحابه لم تتغير منذ بدايات هذه "الأمة" إلى يومنا هذا !.
فما العيب إن تفوهت السعداوي بجملة: (أنا من أشد المعارضين للدولة الدينية لأن ربنا لا دخل له بالسياسة)؟، فالعارف بأمور التاريخ وتاريخ اللاهوت على الأخّص يعرف أن كل الدول التي سمِيّت دينية، كانت من أول الدول التي سفّهت الدين، وخذلت قيّمه. ولنا في تاريخ "الأمة" أو "الدولة" العربية الإسلامية نماذج لا يمكن أن تُصنّف إلا في أبشع صفحات التاريخ الأسْود للبشرية. فكيف نبرر قتل مئات الناس بدعوى أنهم مجسّمون؟، وكيف نفسر فتك المأمون بالأشاعرة؟، وكيف نبرر نكبات المعتزلة في عهد المتوكل؟. والأدهى أن هذه الجرائم كلها اقترفت باسم الدين. والمفارقات العجيبة في هذه التجاوزات هي أن من ارتكبها حكام وقواد خليعون-إن راعينا في تقويمهم المعايير الدينية- في حق فقهاء ثقات، وعلماء كان لهم نصيب الأسد في إغناء التراث العربي الإسلامي. من منا لم يقرأ عن محنة أحمد بن حنبل؟ عن محنة ابن رشد؟ وعن محنة ابن حزم؟و…الخ. ولو استمررنا في سرد لائحة قرابين فظاعات atrocités "الدولة-الأمة" الدينية لما كفانا عقد من السنين !.
إن السعداوي استخلصت العبر من هذا التاريخ، وأدانت إعادة إنتاجه توخيا لتفويت الفرصة على مستبيحي دم العلماء والمفكرين. إن العلاقة الصدامية بين السعداوي والإخوان المسلمين هي علاقة صراع بين طرف يرجح العقل وينبذ التشبث بالمطلق(السعداوي) وبين طرف يعتقل العقل ويفرض مسلمات لا عقلانية غارقة في الغيبيات. والنتيجة هو هذا السجال(أو الحوار المعاقdialogue bloqué) الذي فقد طابعه الثقافي، وسقط في الابتذال خاصة عندما نسي"أصحاب العمائم[7]" مكارم الأخلاق والسيرة الحسنة. وبدؤوا في رشق السيدة العربية-من خلال التهجم على السعداوي- بأحط الألفاظ والصفات، وأشنع ما أنتجته ذاكرتهم الميزوجينية تجاه بنات حوّاء. إن منطق أطروحتنا لا يمكن أن يغض الطرف عن التجاوزات التي تمس الفكر والمفكرين. ذلك أن مجال بحثنا(متنه) شهد أحلك ردود الفعل المتزمتة والكابتة للتعبير، ولم/لن يهدأ بال المتسلط طالما أن هناك أصواتا "نشازا" تدعو إلى رد الاعتبار إلى الفرد العربي، وجعله موضوعا للدراسة والتفكير بعدما غُيِّبَ طيلة تاريخنا الطويل إيثارا للجماعة ولمصالحها. فهل يقدر مواطن من الموطنين/الرعية على أن يتحدث عن "أناه" دون أن يحس بالحرج وبالذنب؟. وحتى عندما يتحدث عنها ينطقها مشفوعة بجملة: "أعود بالله من قول أنا !". إن مثل هذا الفرد يستكثر على نفسه أن يكون موضوعا للدراسة، لأنه لم يُعَدَّ في يوم من الأيام كذات لها كيانها وعالمها المستقلين. إن هذه الذات المغيّبة، والمسكوت عنها هي أس الدراسة التي سخّرت لها السعداوي كل ما أوتيت من علم، وجرأة، وصرامة منهجية. إن هنات مقاربتها قليلة إذا ما قيست بإسهاماتها الجريئة، وباستفزازها لأقلام كثيرة لم يكن في حسبانها أن تكتب عن هذه المواضيع في يوم من الأيام. فماذا قال الإسلامويون عنها وما مقدار صحة كلامهم؟. وما ذا كان رد فعلها؟ وما مقدار صوابه؟.
أسئلة تجد أجوبتها في صفحات مئات من الكتب، والصحف اليومية، وغير اليومية، من الأقل انتشارا إلى أكثرها انتشارا. دون أن ننسى الطفرة التي عرفها هذا السجال بفضل الوسائط الجديدة؛ وعلى رأسها الانترنت. ونسوق نزرا قليلا منه لنبين المسوغات التي دفعت السعداوي لتأليف بعض من مؤلفاتها:
يلخص الشيخ عبد السلام البسيوني النظرة التي كونّها الفقهاء المتزمتون عنها: (نوال السعداوي جريئة لحد الجموح.. سليطة لحد الانفلات.. صدامية لا تقيم وزنًا لشيء.. وصدامها الأول والأكثر والأشهر مع الإسلاميين! تركز السعداوي على محورين رئيسيين: قمع المرأة العربية.. والقمع السياسي والاجتماعي الذي يسود الأمة.. وهي محقة في ذلك ومخطئة!بدأت إخوانية.. ثم تحولت إلى ماركسية.. ثم صارت متطرفة ليبراليًّة)[8]. إن الأوصاف التي يوردها البسيوني تبين الصفات التي يلصقها مناوئو السعداوي بها؛ فهي طائشة، نزقة، اندفاعية، قليلة حياء. فما هو الشيء الذي ينتظر من شخص له هذه الصفات؟ !. إننا أمام تجريد مطلق للدكتورة السعداوي من كل ملكاتها الفكرية وأمام نزع كل صفة للسعداوي تدخلها في خانة المفكرين. بل نجد مفتي مصر السابق يكفرها بدعوى خلطها "للحقائق" الدينية بالأساطير، يقول: ( نوال خلطت الأساطير بالتخاريف بأصول الدين.. وهي إن أصرت معتقدة على ما تقول فقد كفرت بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ذلك أنها أنكرت حقائق الإسلام المستقرة!)[9]. لنتصور ماذا سيكون رد فعل السيد المفتي لو ناداه شخص بلقبه فقط، وجرده من رتبه العلمية والدينية؟. إن الرد معروف عند أمثال هذا الشيخ: تنبيه المخاطب بتوتر وبعبارات تخرج عن الوقار المفتعل، مثل: "ياولد عارف مين بتخاطب؟". ولكن السيد المفتي يسمح لنفسه بأن يتحدث عن امرأة- عالمة، وباحثة، وتحمل اسما كاملا، وصفة علمية اكتسبتها عن جدارة واستحقاق -بلقبها الشخصي فقط "نوال" !؟…إن هذا الأسلوب في الخطاب وحده كافي لتبيان الاحترام الذي يكنه "الفقهة" لمن يخالفهم الرأي. والغريب أن عناد هذا المفتي وإصراره على تكفير السعداوي- لأنها وصفت الحجاب بالخرقة العادية- أصابهما الفتور والضعف عندما أباح(=المفتي) للحكومة الفرنسية إرغام الطالبات المسلمات على خلع الحجاب في المدارس لأن هذا -على حد قوله- شأن خاص بهم. ومن حقهم أن يأخذوا الجميع بقانونهم الداخلي. وأعطى ل"نيكولا ساركوزي" وزير الداخلية الفرنسي حق نزع الحجاب عن المسلمات. إننا نذكره بالقرآن الكريم الذي يستند عليه، خاصة ما جاء في سورة فاطر، الآية 28: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)، إن هذا المفتي وأمثاله لوثوا التاريخ العربي بلاءاتهم غير المنتهية للفكر الجديد، ومصادراتهم لثمار الفكر التحرري العربي الإسلامي. إن تكفيرهم للكتاب والباحثين والأدباء والفنانين عملية تواصلت في كل مراحل التاريخ الإسلامي، وارتبطت في العصر الحديث بكل الحركات الإسلامية ، التي اتخذت لنفسها مرجعية دينية في السياسة ، وأسهمت بذلك في تعطيل نمو البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني ، ووضع قيود على حرية العقل والفكر والحداثة باسم الدين . ومنذ مصادرة كتاب طه حسين " في الشعر الجاهلي" في الثلث الأول من القرن العشرين(سنة 1926)[10] ، أضاعت أجيال لاحقة من الباحثين والمفكرين ، إمكانية تطوير المنهج العلمي ، الذي اتبعه الباحث ونقده بهدف تجاوزه ، ونفس السعار عرفته الحملة المتطرفة ضد راوية " أولاد حارتنا"[11] لنجيب محفوظ. وقاموا بتكفير د " فرج فودة" وحرضوا على قتله ثم قتله [12] فعلاً، وعطلوا عجلة منهج كان بإمكانه أن يقدم أجل الخدمات للدراسات الإسلامية . ولقد فطن "شيخ السلفيين" الفقيه محمد عبده إلى الدور المقيت الذي يمكن أن يلعبه أصحاب العمائم في شل أي حركة تنشد إصلاح الدين:
لكنه دين أردت صلاحه// أحاذر أن تقضى عليه العمائم.[13]
إن ذريعة خدمة الدين ونصرته ومحاربة أعدائه أكذوبة لم يصدقها الإسلاميون أنفسهم؛ فتكفير محمد عبده من طرف سدنة الفكر المتزمت، و قتل صبحي الصالح وغيره من الفقهاء المتنورين دليل على أن من يدعي الدفاع عن الدين يحارب فقهاء يفوقونه في الدفاع عن هذا الدين. إن نوال السعداوي عندما وجّهت التهمة للفكر "المسمى دينيا" لم يكن في نيتها التهجم على الدين الإسلامي ولا على نبيه (ص) ولا على صحابته. وإنما حاولت تعرية التأويل البراغماتي للقرآن وللسيرة النبوية، ونادت بتحيين مضامين الفكر العربي المسلم، واعتباره فكرا إنسانيا يتغير بتغير الظروف، وله إيجابياته وسلبياته. ولا يمكن أن نعطيه صفة المطلق فقط لكونه فكرا عربيا، وينتمي إلى الأمة التي أنزل فيها القرآن، وأرسل إليها الرسول محمد عليه الصلاة والسلام. ونوال السعداوي في طرحها هذا تستمد شرعيتها من مفهوم التطور، ونظرياته القائلة بأنه(= التطور) جزء من الحياة؛ فإما أن نقبله أو سيفرض علينا. وسنكون بذلك أكبر الخاسرين في عالم لم تعد فيه الحدود، ولا الخصوصيات الثقافية، في مأمن من خطر التدجين والتمييع.
إن السعداوي ومن معها من المفكرين المتنورين العرب يحسون بالغبن والهوان عندما يسمعون أن حكامهم يقبلون دون تردد ما يمليه عليهم نظراؤهم الغربيون ويعتقلون من يقول بمثله من مثقفيهم. إن حالة الفصام هذه تجعل من عمل المفكر المتنور عملا عصيا ومركبا، فهو مضطر لاقتراح مشاريع إصلاح لمجتمعه وفي نفس الآن عليه أن يكون ملما بالعلوم النفسية عله يحل ويفهم ازدواجية الفرد العربي "حاكما ومحكوما"، والقارئ لكتب السعداوي، وبوعلي ياسين، وفتحي بن سلامة، وعلي زيعور، ومصطفى حجازي(وغيرهم من الدارسين المتنورين) يدرك أن مهمة المثقف العربي ليست بالسهلة فهو المحلل الاجتماعي والنفساني في نفس الوقت. ولعل العناوين التي حملتها كتب أغلب مثقفي التنوير تعكس هذه التركيبة الثنائية: بين علم الاجتماع وعلم النفس-لا نعني بهذه التركيبة إطلاقا علم النفس الاجتماعي-. إن المفكر ملزم بالتسلح بمناهج علم الاجتماع من إحصاء، وبحث ميداني، واستمارات، وعينات …وفي- نفس الآن- عليه أن يستعمل أريكةDIVAN العالم النفساني ليلج العوالم المعتمة للنفسية العربية. إن سيكولوجية الإنسان العربي قد وعتها نوال السعداوي وعيا تاما وعناوين ومضامين كتبها تشي بهذا. وهذا ما جعل أعداءها يندفعون إلى نفس العلوم التي تستعملها، للدفاع عن رأيهم "وتقويض" آرائها…فباسم علم الاجتماع تحدثوا عن تبرجزها، وسلوكها الذي يشبه سلوك أغنياء مصر ومترفيها الذين يعبثون بكل القيم. ولا شيء يعلو عندهم عن اللذة، والمتعة. ويضعونها(=السعداوي) في خانة أبناء أغنياء الأحياء الراقية في مصر من عبدة الشيطان و"اللوطيين" الذين يعيثون في الأرض فسادا، وتغويهم لذة المشاكسة والتهجم على القيم الدينية بدون مبرر. ولهذا السبب لم يتخذ القرضاوي -مفتي من لا إفتاء له- قرارا تكفيريا في حق السعداوي لأنها بالنسبة جاهلة(هكذا !) ولا تدري ما تقول !، كمثل الصِّبْيَةِ الذين يعانون مشاكل وجودية وعائلية، ويصرفونها في التهجم على كل "المثل العليا"،علهم يثيرون نحوهم بعض الاهتمام الذين هم في حاجة إليه، لأنهم لم يصلوا بعد سن النضج والتعقل والرزانة. هكذا تحشر السعداوي العالمة والطبيبة والبيولوجية التي شهدت لها الجامعات العربية وغير العربية بالنضج والتفوق والكفاءة في خانة "منحرفي" مصر، وشبابها الطائش الذي يحتاج إلى العناية، والأخذ بيده ليرجع إلى الطريق السوي. إنها إذا منحرفة وزائغة عن السبيل الصحيح ولهذا دعا لها سيد طنطاوي- الذي يقايض دعاواه بالدولارات للحكام العرب- مجانا بالهداية والشفاء من هستيريتها !؟ هذه هي مفارقة الفكر المتحجر يرمي الناس بما فيه . وباسم علم النفس رأوا فيها امرأة ترفض بنات جنسها لأنها دميمة وتنقصهم جمالا وفتنة وإغراء. وتعاني من فصام في شخصيتها، فهي نرجسية حتى النخاع وتسلك منطق خالف تعرف: متزوجة بغير عقد لتستفز ردود الفعل حولها، تدفع ابنتها لتحمل اسمها العائلي ضدا على مجتمع الذكور وهدفها الأسمى خلق دائرة ضوء كبيرة حولها…
إن هذه المواجهة لا يمكن أن نَسِمَها بصراع "الأضداد"؛ لسبب بسيط هو أن الضِّدِّيّة تقتضي أن كل اتجاه(ضد) له من المقومات الفكرية ما يجعله يختلف عن الاتجاه(الضد) الآخر، وله انسجام في طرحه وخلفية فكرية متجانسة تشرعن لتوجهه. وإذا كنا قد لمسنا هذه المقومات عند السعداوي ونظيراتها ونظرائها من المفكرين الحداثيين، فإننا نلحظ غيابها بل انعدامها عند أعداء الحداثة والتطور.
أين هم من منطق" إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر الاجتهاد"، وأين منهم من منطق الإمام أبي حامد الغزالي الذي اعتبر في عصره، من قبل المتنورين من مجايليه، عدوا للتجديد ( … من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى في متاهات العمى والضلال)، إن هذا الإمام رغم ما قيل عنه من تشدد يؤمن أن حق الإنسان في الشك والحيرة النبيلة الصانعة للحضارات تمامًا كحقه في أن يفكر.
إن الوصاية التي يفرضها أئمة الظلام ويريدون بسطها لا تجد تبريرا لها حتى في الأدبيات الإسلامية ولا في القرآن الكريم، فلقد أوصى الله نبيه محمدا (ص) بمقارعة الناس بالحجة وعدم استحواذه بالرأي وتفرده، فلقد حدد مهمته في التذكير وعدم تجاوز هذا الدور:( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بمسيطر)، "سورة الغاشية، الآيتان 21 و22". وأكد تعالى على نبيه ألا ينجر في صراع غير مجدي مع مناوئيه:( اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ)، "سورة الأنعام، الآيتان 106و107". وألا يحاول إكراه من عاداه على إتباع طريقه لأن الله لو أراد هذا لما عزّ عليه:( وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)، "سورة، الآية99". ولعل أحسن ما يمكن أن يستشهد به في هذا الباب كلام جمال البنا شقيق مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الذي لم تسلم كتبه من مصادرة المؤسسة الدينية، يقول: (فالقرآن لم يعط الرسول وهو حامل الدعوة أي سلطة على الناس فليس هو جبارا ولا مسيطرا ولا حسيبا ولا حفيظا ولا حتى وكيلا عن الناس وإنما عليه أن يبلغ (فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، (فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) وهذه اللمسة الأخيرة تبين لنا أن القرآن الكريم لم يقرر فحسب حرية الفكر بل اعتبرها أمرا شخصيا لا دخل فيه للنظام العام (فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [14]
إن السعداوي وهي تهاجم "حراس النوايا"[15] تعلن صراحة موقفها من بعض القضايا التي باتت في حكم المقدس بعدما سيجها هؤلاء بهالة من القدسية لم تكن لها، كقولها:( الدين أفيون الشعوب مقولة صحيحة… السياسة في العالم العربي معناها فن الكذب… ورجال الدين عندنا يقومون بنفس الدور أو يجملونه!)، إنها تستعمل القاعدة التي توصل إليها كارل ماركس في القرن التاسع عشر عندما انتقد سطوة رجال الكهنوت على حياة الأفراد وممارستهم للقمع واغتصاب الحقيقة باسم الدين المسيحي. وهو نفس الدور الذي بدأ فقهاء العقود الأخيرة يلعبونه رغم الإسلام منافي لمثل هذا السلوك. إنهم(أي الفقهاء) يتواطؤون مع السلطان ويساهمون في تخدير مواطنيهم فهم بهذا يصدق عليهم حكم السعداوي، فهي عنت بالأفيون الدين كما يمارسه يوميا الفقهاء المصادرون للحرية. إنها تقارن فقهاء المسلمين بقساوسة القرون الوسطى الذين كانوا يبيعون صكوك الغفران الفردوسية، وتقول:( أكره كثيرًا الحكم على الناس وتوزيع بطاقات الكفر والإيمان، والجنة والنار، كأننا نمتلك صكوك غفران، أو نتحكم في مفاتيح أبواب الجنة!) وتضيف:( أمقت الاتهام أو التزكية / الجرح أو التعديل / التبني أو الرفض؛ دون اطلاع، وتأمل، وتأكد، وامتلاك أدلة كثيرة، تدعم معرفتي التي سأسأل عنها وحدها أمام الله تبارك وتعالى، دون غيرها، لأن هذا هو منهج القرآن الكريم: (هاتوا برهانكم) ومنهج السنة المشرفة: "إن يظهر لنا شيء نأخذ به" ومنهج أهل العقل والعدل والإنصاف!)
[1]Robert Escarpit La littérature et le social, Éléments pour une sociologie de la littérature. Flammarion, 1970.
[2] Pierre Macherey, Pour une théorie de la production littéraire, Paris, François Maspero, collection « Théorie », 1971
[3] يقول بيير ماشيري إن المسكوت عنه مقول مراوغ: "le non-dit c’est un dit biaisé "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























