إلى السيد المدير
قصة للكاتب الإيطالي دينو بوزاتي Dino Buzzati
ترجمها عبد اللطيف درويش
النص:
الموضوع : شخصي
سيدي المدير ،
إن الاعتراف المرير الذي أجد نفسي مرغما على البوح به لكم بإمكانه أن يجدب إلي الطمأنينة أو المذلة…التحطيم.
سيدي،
إنها قصة طويلة…و لا أعرف ، لحد الآن ، لماذا أحطتها بكتمان كامل إلى يومنا هذا ، فأقربائـي ، أصدقائي ، وزملائـي ، لا علم لهم بها .
منذ ثلاثين سنة خلت، كنت إخباريا بالجريدة التي تديرونها اليوم. كنت مواظبا و حسن النية. و مع ذلك لم أكن لامعا. قي المساء عندما كنت أمد رئـيسي بالتقارير التي أكتبها عن السرقة، كنت أشعر بالمذلة لرؤية كتاباتي محرفّة: جمل مرتبة ترتيبا مغايرا، تصحيحات، حذف، تكملات، و تعديلات من كل نوع. و رغم أنني كنت أعاني؛ فلم يخطر ببالي قط أنّ رئـيسي كان بتصرفه هذا يقصد إذلالي. و إن كنت قد حافظت على وظيفي هذا، فالفضل يرجع إلى اندفاعي في التقاط القصاصات و الأخبار و أنا أتجول في المدينة.
لقد كانت نفسي تختزن طموحا أدبيا متأججا. و كلما ظهر مقال لأحد الزملاء، أو كتاب لأحد مجا يلي و حققّ نجاحا باهرا كانت الغيرة تمزٍِّق أحشائـي كمدية مسمومة.
و حاولت مرارا تقليد هؤلاء المحظوظين بكتابة بعض المحاولات: مقطوعات غنائـية و قصص.و في كل مرّة كان القلم يتوقّف و لمّا أكتب إلاّ أسطرا قليلة لا تستقيم على حال. و كانت تنتابني أزمات إحباط طالما تزول بمجرّد أن يخمد طموحي الأدبي . و أجد مصْرفا أو شيئا آخر أفكر فيه ، إجمالا كانت حياتي تسير سيرها العادي…هادئـا نسبيا.
إلى اليوم الذي جاءني رجل إلى قاعة التحرير. لم أكن قد رأيته من قبل. كان عمره يناهز الأربعين ، قصير القامة ، بذيئا ، و وجهه متجمد . و لولا طيبوبة قلبه، لكان شنيعا. فاتحني قائـلا:
ـ اسمي ( ل.ب) أنتمي إلى ترينتي ، قريب أحد زملائـك القدامى في الدراسة، متزوج ن وأب لطفلين ، أضعت عملي كقيم بسبب المرض . و لا أرى و وسيلة للعيش…
أجبته :
ـ ما المطلوب مني ؟
قال و قد بدا صغيرا:
ـ لي ميل إلى كتابة الرواية و القصّة ن هنري، زميلك قي الدراسة، قرأها و استحسنها ، و نصحني بأن أتصل بك . إنك تعمل في جريدة لها سمعة جيِّـدة. ولك علاقات و دعم ، و سلطة ، بإمكانك..
قاطعته:
ـ أنا ؟؟؟ إنني كالعجلة الخامسة للسيّارة، و الجريدة لا تنشر الأعمال الأدبية التي يوقعها كتاب معروفون.
قال:
ـ و أنت ؟
أجبته:
ـ أنا لا أوقع، أنا مجرّد إخباري، أنا !!!…لا ينقصني إلاّ هذا ؟؟…( قلت هذا و خيبة الأمل كانت كوخز الإبر في أضلعي )
قال:
ـ و لكن التوقيع يعجبكم ؟
قلت:
ـ نعم…أكيد، شريطة أن أكون قادرا
قال:
ـالسيد بوزاتي لا تزدري نفسك. إنك شاب و أمامك الوقت الكافي. عفوا، لقد أزعجتك. سأنصرف حينا. خذ. سأترك إليك آثامي. إذا كان لك حيز من الوقت حاول أن تلقي عليها نظرة وجيزة. أما إذا تعذر عليك هذا…فلا بأس..
قلت:
ـأكرر لك بأنني لن أكون مجديا. إن الأمر لا يقتصر على الإرادة الطيٍّبة.
قال:
ـمن يدري ؟ الحظ أحيانا . اقرأها. لن تندم.
لقد ترك فوق مكتبي رزمة من منسوخاته. حملتها إلى بيتي. و ظلت فوق صواني ضائـعة تحت كومة من الأوراق و الكتب طيلة شهرين تقريبا. دون أن أفكر فيها.
و في إحدى الليالي، أحسست بأرق خلق عنـدي رغبة في الكتابة، و الحقيقة انه لم تكن عندي أفكار جلِيّة. لكن طموحي الملعون كان حاضرا. كان مخزوني من الورق قد نفد. و تذكرت أن وسط الكتب دفتر قديما لم أسوِّد وريقات قليلة منه. و أنا أبحث عن هذا الدفتر تناثرت رزمة أوراق فوق الأرض. و بينما كنت منهمكا في جمع هذه الأوراق. و قع نظري صدفة على ورقة مرقونة تسربت من أحد الملفات. قرأت سطرها الأوّل ثمّ الثاني. وقفت مذهولا. ثم واصلت القراءة حتى نهاية الورقة. ثم
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |